نظرة جديدة على مسيرة إشبيلية: بين التحديات والآمال
عودة الأمل في ملعب سانشيز بيزخوان
شهد فريق إشبيلية في هذا الموسم تقلبات كثيرة، لكن انتصاره المثير على أتلتيك بلباو في الجولة الماضية أعاد له بعض الحيوية في جدول الترتيب. بعد فترة صعبة في يناير، بدا أن لاعبي ماتياز ألميدا استعادوا توازنهم وأداءهم المعتاد. جمهور ملعب سانشيز بيزخوان كان حاضراً بقوة، يردد الهتافات بحماس كما يحبون في المباريات التي تتسم بالتقلب والإثارة.
الاعتماد على نجوم الأكاديمية: مستقبل إشبيلية الجديد
أبرزت إدارة النادي بعد المباراة أن المدرب ألميدا دفع بسبعة لاعبين من أبناء الأكاديمية خلال اللقاء، منهم من بدأ المباراة مثل خوانلو سانشيز، كارمونا، كيكي سالاس، وإسحاق روميرو، وآخرون دخلوا كبدلاء مثل أندريس كاسترين، أوسو، ومانو بوينو. هذا التوجه يعكس استراتيجية جديدة قد تغير مسار النادي بعيداً عن الاعتماد على سوق الانتقالات كما كان في العقدين الماضيين.
على مدار السنوات الماضية، أنتجت أكاديمية أتريرا لاعبين كبار مثل خيسوس نافاس، خوسيه أنطونيو رييس، أنطونيو بويرتا، وسيرجيو راموس، الذين تركوا بصمة في تاريخ النادي والكرة الإسبانية. لكن نجاحات إشبيلية في القرن الحادي والعشرين كانت في الغالب نتيجة لخبرة مونتشي في صفقات الانتقالات، حيث كان النادي يتفوق في اكتشاف المواهب المغمورة في أسواق مثل فرنسا والبرتغال وبيعها لأندية أغنى. ومع تصاعد قوة الدوري الإنجليزي واعتماد الأندية على التحليل الرقمي والكشافين العالميين، تقلصت هذه الميزة بشكل ملحوظ خلال الخمسة عشر عاماً الماضية.
ماتياز ألميدا: ربان السفينة في بحر متلاطم
في ظل هذه الظروف المتقلبة، جاء ألميدا ليقدم مزيجاً من الواقعية والتحفيز. يدرك أن تشكيلة الفريق الحالية ليست بنفس جودة الفرق السابقة، لكنه يركز على كرة جماعية سريعة الإيقاع تروق لجماهير نيرفيون. اعتمد على تقليل المساحات بين الخطوط وزيادة الضغط على المنافسين، مما جعل إشبيلية أكثر صعوبة في الاختراق. حتى اللاعبين المخضرمين مثل أليكسيس سانشيز يظهرون التزاماً كبيراً بأسلوب المدرب.
تتجلى فلسفة ألميدا في الضغط المكثف من منتصف الملعب، حيث لا يعتمد الفريق على خط دفاع مرتفع كما هو الحال في فرق أخرى بالدوري الإسباني، لكنه يحتل المركز الثاني في أقل عدد من التمريرات المسموح بها لكل تدخل دفاعي (PPDA) وفقاً لإحصائيات أوبتا.
ماتياز ألميدا، مدرب إشبيلية، عن أليكسيس سانشيز:
“أليكسيس هو كرة القدم بحد ذاتها، هو الفرح. لا يقضي وقته على الهاتف، بل يتحدث عن كرة القدم، الخطط، واللاعبين. أنا ممتن جداً لقدومه.
رغم قصر قامته، يفوز بالكرات الهوائية. إنه ليس… pic.twitter.com/VYEPWP3Mjk
يعكس لاعبو الفريق هذا النهج الدفاعي والهجومي المتوازن. حارس المرمى أوديسيوس فلاخوديموس يوفر استقراراً كبيراً، بينما يشكل خط الوسط بقيادة جيبريل سو، باتيستا ميندي، ولوسيان أغومي المحرك الأساسي للضغط الدفاعي. في الهجوم، يعتمد الفريق على القوة البدنية للنجم النيجيري أكور آدامز، مع دعم من إسحاق روميرو الذي يساهم في الربط والضغط الدفاعي.
رغم وجود هوية تكتيكية واضحة، يعاني الفريق من تقلبات في النتائج، حيث انتصر 4-1 على برشلونة المتصدر، لكنه تعرض لهزيمة ثقيلة 0-3 أمام ليفانتي المهدد بالهبوط.
الأزمات المالية والسياسية: العائق الأكبر أمام إشبيلية
تتفاقم المشاكل داخل النادي بسبب الصراع العائلي المستمر بين خوسيه ماريا ديل نيدو بينافينتي وابنه خوسيه ماريا ديل نيدو كارسكو، رئيس النادي الحالي. هذا النزاع أثر سلباً على سير العمل داخل النادي، حيث تراجع اتخاذ القرارات وتغيرت الأولويات بشكل متكرر، مما أضر بخطط النادي طويلة الأمد.
من الناحية المالية، يعاني إشبيلية من خسائر متتالية، حيث أظهرت الحسابات المالية لموسم 2024/25 خسائر تقارب 54 مليون يورو، بعد عجز أكبر في الموسم السابق. وأرجع مجلس الإدارة هذه الخسائر إلى غياب الإيرادات الأوروبية، تراجع عائدات حقوق البث التلفزيوني، وضعف مبيعات اللاعبين في سوق الانتقالات.

رغم الصراعات السياسية، تمكن ديل نيدو كارسكو من حشد دعم بعض المساهمين الأصغر لإقرار الحسابات المالية للمواسم الماضية، التي كانت عالقة في دوامة الخلافات. ومع ذلك، لا تزال شعبيته ضعيفة وسط الجماهير التي عبرت عن استيائها بصيحات الاستهجان خلال الاجتماعات.
في ظل تراكم الديون والخسائر، يرى المجلس الحالي أن بيع النادي هو الحل الوحيد لتجنب الإفلاس، مما يمهد الطريق أمام دخول مستثمرين جدد.
عودة سيرجيو راموس: من الملعب إلى غرفة الإدارة
أحدثت أنباء عودة نجم إشبيلية السابق سيرجيو راموس ضجة كبيرة، لكن هذه المرة ليس كلاعب، بل كمستثمر رئيسي في النادي. وقعت مجموعة بقيادة راموس وشركائه في شركة Five Eleven Capital خطاب نوايا للاستحواذ على النادي بقيمة تقارب 450 مليون يورو، مع فترة حصرية مدتها ثلاثة أشهر لإجراء الفحص المالي والتدقيق.
راموس هو الوجه الإعلامي للمشروع، لكن التمويل يأتي من مستثمرين أمريكيين عبر شركة Five Eleven Capital، التي كان مديرها الرياضي الحالي في إشبيلية، أنطونيو كوردون، يعمل بها قبل انضمامه للنادي، مما ساعد في بناء هذه الشراكة.

تهدف الصفقة إلى إنهاء الصراعات بين المساهمين الحاليين، وتوفير سيولة فورية لسداد القروض قصيرة الأجل ذات الفوائد المرتفعة. كما تشمل خطة التملك زيادة رأس المال، على غرار ما فعل أتلتيكو مدريد وريال بيتيس، مما يسمح للنادي برفع سقف الرواتب والتعاقد مع لاعبين جدد دون الحاجة لبيع نجوم الأكاديمية سنوياً.
مع ذلك، لا تزال هناك عقبات، حيث أشار ديل نيدو بينافينتي، أكبر مساهم في النادي، إلى أنه لم يتلقَ أي اتصال من راموس أو شركائه بشأن العرض، مما قد يعقد من إمكانية إتمام الصفقة.
رغم الجدل حول شخصية راموس، لا يمكن لأحد إنكار حبه العميق للنادي، ويبدو أن تحالفه هو الأوفر حظاً لإنهاء النزاع الإداري الحالي في إشبيلية.
آفاق المستقبل: بين التفاؤل والحذر
يعيش جمهور إشبيلية حالة من التوازن بين الأمل والواقعية. اعتادوا على المنافسة الأوروبية والمباريات الحاسمة، لكن العودة إلى هذه المستويات تتطلب سنوات من الإصلاح المالي والتخطيط السليم في سوق الانتقالات. في الوقت الراهن، يجب التركيز على بناء الفريق تدريجياً من خلال منح الفرصة للمواهب الشابة، الأداء القوي، والتكتيك المنظم الذي يرسخه ألميدا.
في هذا المسار التدريجي، يمكن لأكاديمية النادي أن تلعب دوراً أكبر من السابق. فحتى في حال اضطر النادي لبيع بعض اللاعبين، فإن الاعتماد على أبناء الأكاديمية ليس مجرد خيار عاطفي، بل استراتيجية مستدامة تضمن استمرارية النجاح. إشبيلية قد لا يعود إلى نموذج الماضي، لكنه بلا شك يكتشف طريقاً جديداً نحو المستقبل.

