تحليل عميق لأسباب هبوط نادي مايوركا إلى الدرجة الثانية
كان المتابعون الأكثر خبرة قد تنبأوا بنهاية الموسم الماضي بأن نادي مايوركا سيواجه فترة صعبة في ملعب سون مويس. وبعد مرور عام فقط على ختام موسم 2024/2025، أصبح الفريق يلعب في الدرجة الثانية الإسبانية. بدأت أركان مشروع المدرب أراساتي بالاهتزاز مبكراً، لكن الإدارة لم تدرك حجم المشكلة إلا متأخرة جداً. كما هو الحال في معظم حالات الهبوط، هناك عدة أطراف تتحمل المسؤولية، حيث كان لكل من شارك في النادي خلال الموسمين الماضيين نصيب من الخطأ، وإن بدرجات متفاوتة.
الأداء الإداري وتأثيره على مسيرة النادي
تُعتبر الإدارة العليا هي الهدف الأول لانتقادات الجماهير التي سئمت من سوء التخطيط الرياضي. طوال الموسم، أبدى مشجعو مايوركا استيائهم من غياب الالتزام بهوية النادي وجزيرة مايوركا من قبل المسؤولين، مما اعتُبر أحد أبرز أسباب الأزمات الداخلية. رغم أن المستثمر الأمريكي آندي كولبرغ، رئيس النادي، ساهم بشكل كبير في تصفية ديون تاريخية، وتمكن من تنفيذ تحديثات ضخمة في الملعب والمرافق الرياضية، إلا أن الإنفاق على تعزيز الفريق كان مخيباً للآمال.
بابلو أورتيليس، المدير الرياضي لنادي مايوركا.
تحديات التشكيلة وتأثيرها على النتائج
أظهرت نهاية الموسم أن تشكيلة مايوركا كانت ضعيفة للغاية لمواجهة متطلبات الليغا. الإصابات المتكررة وتراجع أداء بعض اللاعبين أجبر المدرب ديميتشليس على الاعتماد على لاعبي الأكاديمية في مباريات حاسمة للبقاء في الدوري. رغم أن صيف 2025 شهد انضمام مواهب واعدة مثل بابلو تور ويان فيرجيلي، والتي أثارت آمالاً كبيرة، إلا أن هذه الإضافات لم تكن كافية لتغطية النقص الحاد في عمق التشكيلة، مما جعل الجماهير تشعر بخيبة أمل لاحقاً.
عندما فتح سوق الانتقالات الشتوية، صرح أراساتي قائلاً: “نحتاج إلى لاعبين ذوي جودة وليس عددًا فقط”. لكن رد المدير الرياضي بابلو أورتيليس كان محدوداً، حيث جلب فقط جناحين مجهولين هما لوفومبو وكولومبا، دون معالجة العيوب الأساسية في الفريق. كان من الضروري توفير بديل أو دعم للمهاجم فيدات موريكي، الذي كان يعتمد عليه الفريق بشكل كبير في الهجوم.
تراجع الدفاع وفقدان الهوية
منذ بداية الموسم، فقد مايوركا هويته الدفاعية التي تميز بها في عهد المدرب خافيير أجيري. مع استمرار إصابات كومبولا وتعرض رايلو وبابلو مافيو للعب وهم مصابون طوال النصف الأول من الموسم، كان من الضروري تدعيم الخط الخلفي بلاعبين جدد. لكن الانتقادات التي وُجهت إلى أورتيليس بسبب تقصيره في سوق الانتقالات الأخير ثبتت صحتها، حيث تعرض رايلو لإصابة خطيرة في مارس، ولم يتعافَ كومبولا، كما غاب ماتيو جوزيف، المعار من ليدز، الذي كان اللاعب الوحيد القادر على منح موريكي بعض الراحة.
علاوة على ذلك، عانى لاعبو وسط الميدان مثل موييكا، فالجنت، سامو كوستا، داردر وماسكاريل من إرهاق شديد بسبب غياب بدائل موثوقة. أما اللاعبون الاحتياطيون مثل ماتيو موري، لاتو، أنطونيو سانشيز وعبدون براتس فلم يقدموا الأداء المطلوب ليكونوا عناصر أساسية في فريق ينافس في الدرجة الأولى.
تأخر إقالة أراساتي وتأثيرها السلبي
أخطأت الإدارة بقيادة ألفونسو دياز وبابلو أورتيليس في توقيت إقالة المدرب أراساتي، حيث جاءت متأخرة جداً، وتم الإعلان عنها قبل التعاقد مع مدرب جديد. تم اتخاذ القرار مساء الاثنين 22 فبراير، وتم تقديم ديميتشليس كمدرب جديد بعد أربعة أيام فقط. شاهد المدرب الأرجنتيني أول مباراة له من المدرجات، حيث خسر الفريق أمام ريال سوسيداد 0-1 بقيادة مدرب الفريق الرديف جوستافو سيفيرو. كان التعادل في تلك المباراة كافياً لضمان البقاء.
لم تدرك الإدارة في الوقت المناسب أن فترة جاغوبا أراساتي قد انتهت، خاصة بعد أن جمع الفريق 5 نقاط فقط في أول 8 جولات، وكان أداؤه في النصف الثاني من موسم 24/25 يعكس مستوى فرق الدرجة الثانية، حيث حقق 18 نقطة فقط. الجماهير ودعت الفريق بالصفير في آخر مباراة لذلك الموسم، وأعرب أراساتي عن قلقه من “الانهيار الذاتي” في المؤتمر الصحفي بعد المباراة، مما يدل على أنه كان أكثر إدراكاً من الإدارة لمشاكل الفريق.
مسيرة أراساتي: من البداية الواعدة إلى النهاية المخيبة
بدأ أراساتي عمله في مايوركا بشكل قوي، محققاً واحدة من أفضل بدايات الموسم في تاريخ النادي بجمعه 30 نقطة في النصف الأول من الموسم. لكن الفريق انهار في النصف الثاني، حيث لم يحقق سوى 18 نقطة من 19 مباراة، مع 4 انتصارات فقط، وهو أداء كارثي.
جاغوبا أراساتي في مباراة مع مايوركا.
في موسم 25/26، وبعد تفجر أزمة قضية داني رودريغيز، فقد أراساتي السيطرة على غرفة الملابس تماماً. رغم علاقته الجيدة مع اللاعبين، إلا أن عدم حسمه في التعامل مع اللاعبين الكبار وتردده في تعديل الخطط التكتيكية أثر سلباً على أداء الفريق. خلال عام واحد، تحول من حجر الأساس لمشروع طموح يسعى للوصول إلى أوروبا، إلى هدف لانتقادات الجماهير.
ظل أراساتي متمسكاً بتشكيلة 4-2-3-1 التي لم يغيرها كثيراً رغم النتائج السلبية، وهو نظام لم يناسب سيرجي داردر ولم يشمل بابلو تور، الذي أظهر لاحقاً مستوى مميزاً تحت قيادة ديميتشليس، مما يعد من أكبر الأخطاء التكتيكية في الموسم.
أداء اللاعبين بين التفاوت والجهود الفردية
اللاعبون هم من ينفذون الخطط على أرض الملعب، وبالفعل قدم كثير منهم أداءً جيداً مع المدرب الجديد ديميتشليس. لكن الموسم يتكون من 38 جولة، والمدرب الأرجنتيني تولى المهمة في مارس فقط. بعض اللاعبين مثل سيرجي داردر، مافيو، موييكا وليو رومان لم يظهروا بالمستوى المطلوب إلا بعد قدوم ديميتشليس. بينما حافظ موريكي وسامو كوستا على ثبات مستواهما، حيث سجل الأول 23 هدفاً، والثاني تأهل مع منتخب البرتغال إلى كأس العالم.
رغم ذلك، لا يمكن تبرير الأخطاء الفردية الفادحة التي ارتكبها بعض اللاعبين، والتي كلفت الفريق نقاطاً ثمينة. كثيراً ما كان مايوركا يتقدم في المباريات لكنه يتلقى أهدافاً قاتلة في الدقائق الأخيرة، كما حدث في مواجهات ضد أوساسونا، إيليش، وألافيس، حيث تكرر سيناريو التراجع في الشوط الثاني بسبب أخطاء دفاعية واضحة.
بالإضافة إلى ذلك، أضاع موريكي ركلة جزاء في الوقت المحتسب بدل الضائع ضد إيليش، مما كان يمكن أن يضمن نقطة حاسمة للبقاء. كما شهدت مباريات أخرى أخطاء فادحة، مثل الهزيمة أمام خيتافي بثلاثة أهداف، والهدف الذي تسبب به ديفيد لوبيز في مباراة ضد ليفانتي، والتي كانت بمثابة ضربة قاضية للفريق.
ديميتشليس: تجربة أولى في أوروبا بين النجاحات والتحديات
يُعتبر مارتين ديميتشليس الأقل مسؤولية بين جميع الأطراف، لكنه عانى من قلة الخبرة في واحدة من أقوى الدوريات الأوروبية. المدرب الأرجنتيني، الذي سبق له اللعب مع ريفر بليت ورايادوس دي مونتيري، حقق 18 نقطة من أصل 36 في 12 مباراة، وهو رقم جيد لكنه لم يكن كافياً لإنقاذ الفريق من الهبوط، الذي يُعد الأغلى تكلفة في العقود الأخيرة.
مارتين ديميتشليس، مدرب مايوركا.
من القرارات المثيرة للجدل التي اتخذها ديميتشليس كانت إشراك اللاعب المبتدئ أوريخويلا في مباراة ضد خيتافي على ملعب كوليسيوم، رغم وجود لاعب أكثر خبرة مثل لاتو على مقاعد البدلاء. أظهر المدرب جرأة زائدة في بعض الأحيان، خاصة في المباريات خارج ملعب سون مويس، حيث كان من الأفضل تبني أسلوب أكثر حذراً وتركيزاً على النتائج، لأن التمسك بأسلوب لعب هجومي جذاب في مثل هذه الظروف قد يؤدي إلى نتائج كارثية.

